ولد هميد.. إبن مسين ورجل القصر والبرلمان

أربعاء, 18/01/2017 – 15:41

الزعيم بيجل ولد هميد الزعيم بيجل ولد هميد

على شاطئ كرمسين وبين خط النهر والضفتين التقط  بيجل ولد حميد أولى صور الحياة، كأحد الأبناء المرموقين ل( همّيد) الزعيم القبلي والعشائري  بين مجموعات أهل “كبلة ساحل” .

وبين الضفتين عاش بيجل على ربا كرمسين وضفاف نهره، وبين” اندر” وحواضره انتصفت فتوة الشاب الطويل جدا مثل بقية أفراد أسرته، والمعتز أيضا بأرضه وساكنته ومجده الذي قام منذ سنوات طويلة على استقلال ذاتي بفعل الثروة المعتبرة التي حققها ذوو الرجل من خلال الزراعة وتنمية المواشي وكذا الاتجار في السنغال.

لم تكن الحدود حينئذ قد رسمت بشكل كاف، وما كان النهر إلا رئة من رئات سكان الضفتين، ولو نطقت الأرض حينها لقالت ” ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد”

لم يكن سكان الضفتين مقتنعين جدا بعبارة الوالي الفرنسي الشهير فيدرب “ألم ير محمد لحبيب أن الله أجرى النهر وجعله حاجزا بين السودان والبيظان فلا ينبغي أن تتجاوز حدود الله”.

وفي كرمسين أيضا وضع ولد هميد عرش الزعامة على رأسه، وكوره ضمن عمامته الضخمة، وظل محتفظا بمنصب نائب المقاطعة في البرلمان، وفي كل حكومة منذ

1992 كان بيجل يترك  مقعده البرلماني لصالح خلفه، قبل أن ينتقل إلى منصب وزاري دار دائما بين وزير المالية أو الشؤون الاقتصادية بفعل تكوينه الاقتصادي ودوره الأساسي في قطاع الضرائب لسنوات طويلة، وعلاقته الوطيدة بالرئيس السابق معاوية ولد الطايع التي بدأت مع السنوات الأولى عندما كان ولد الطايع رفقة الجنرال المتقاعد مولاي ولد بوخريص لمفاوضة حركة الحر حول دورها في انتخابات اتحاد العمال الموريتانيين، حيث حصل ولدهميد على منصب نائب الأمين العام لذلك الاتحاد الذي تقاسمته الحركات السياسية حينئذ.

قبل هذا وذاك كان بيجل ولد حميد أحد أفراد الجيل الثاني من حركة الحرحيث كان الفتى الطويل الأسمر قد حصل على تكوين إداري في فرنسا بعد حصوله على الباكلوريا، عاد من فرنسا مشبعا بتصور يساري حول قضايا السياسة والتحرر، لينشط لاحقا ضمن حركة الحر ويقود بعض مظاهراتها، ويتعرض للمحاكمة في روصو سنة 1981.

لكن ولد هميد الذي تعود منذ عقود ضاربة في القدم على منصب الزعامة، وحيث ينقسم المجتمع الأسمر في بوادي كرمسين إلى ” حراطين” وعبيد “للحراطين”، سلك مسلكا آخر منذ التحاقه بسلطة ولد الطايع عقب الانتخابات الرئاسية سنة ،1992 حيث انتقل إلى رؤية أخرى قوامها “التخفيف من حدة انتقاد الوضع الحقوقي في موريتانيا وإشكال العبودية، وصولا إلى إنكار وجود عبودية في الفترة الأخيرة.

وفي كل محاججاته يستند بيجل ولد هميد على تاريخه النضالي ليؤكد أنه قام بأدوار مشهودة في التصدي للعبودية، وفي مجال آخر يستند ولد هميد على ماضي أسرته وتاريخها وثرائها ليؤكد أن كثيرا من “لحراطين لم يكونوا عبيدا ” أبدا ولم يجر عليهم الرق.

ورغم أن ولد هميد من أبعد عناصر حركة الحر عن التصور القومي لقضية العبودية، باعتبار تكوينه اليساري وانتمائه للكادحين في بعض الفترات، إلا أنه في المقابل من أبرز المدافعين عن عروبة لحراطين، وهو ما يثير غضب عدد كبير من قادة الحر التاريخيين وشبابهم “الثائر”.

كان ولد هميد قبل ذلك قد اختلف مع قادة الحر وزعيمهم مسعود ولد بلخير واختار بثقله السياسي والنقابي الانتقال إلى السلطة، وحينها بسط للاتحاد العام للعمال الموريتانيين كفن الموت، فلم يعد أكثر من ملف في حقيبة ولد هميد المتعددة الملفات.

وفاء للرؤساء

رفض ولد هميد العمل تحت إمرة السغير ولد امبارك، رفضا باتا، قبل أن يمنحه ولد الطايع منصب المدير العام للصندوق الوطني للضمان الصحي، وقد كان ذلك الصندوق من آخر ما تذكره ولد الطايع وهو يحاول استعادة الحكم ولو عبر ” البريد الصوتي”.

مارس ولد هميد نفس الوفاء السياسي لصالح الرئيس السابق سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، وكان ولد هميد أحد أهم قادة الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية، وتميز بشجاعة مشهودة حيث كان يدخل في شجار مع الشرطة ويتعرض للضرب على يد عناصرها وهي مشاهد لم تنتقص منها مغادرة طوعية بسرعة ملحوظة ربما تفرضها حركة فى سيارته V8  حذار غبطة شامت .

رفض ولد هميد أن يدخل السجن بسبب مبلغ زهيد طلب منه دفعه داخل المطار وقد تأبط حقيبته ولبس لامة السفر  خصوصا أن السجن سيحد من قدرته على النضال ضد ولد عبد العزيز فدفع  بجرة قلم  أكثر من 100 مليون أوثية فداء لرقبته من السجن، تاركا بذلك أسئلة كثيرة، هل يخيفه ملف الفساد، أم يخيفه السجن ذاته ؟

وهل استعاد المبلغ لاحقا، ضمن صفقات التراضي السياسية التي وقعتها المعاهدة؟ فلا زال الرجل يرفض الحديث عن الموضوع بشكل قاطع.

يمضي الرئيس بيجل فى وفائه للرؤساء مسلكا لم يصله أحد رغم كثرة السالكين فيقول فى مقابلة مع السراج إن مكتبته لا تحمل إلا صور من يحب حيث تقتصر الصور على خاله وعمه ومعاوية وولد الشيخ عبد الله أما غيرهم فلا وجود له فى مكتبه ولا فى ذاكرته .

كان ولد هميد يمازح رفاقه من الوزراء السابقين ويؤكد أنه يحمد الله تعالى على أن عدلين يشهدان له أنه من رموز الفساد، وهما الوزيران السابقان الداه ولد عبد الجليل ويحيى ولد سيدي المصطف، ترى هل سيشهد لهما الرجل أيضا بما شهدا ولو عبر أسلفني كي أسلفك؟!.

وفي مقابل النضال من أجل الشرعية كان ولد هميد أحد الدافعين الأساسيين لتوقيع اتفاق دكار، وفعلا تم توقيع الاتفاق.

طلاق عادل

تفاقم التوتر بين بيجل ولد هميد ورئيسه في حزب عادل يحيى ولد أحمد الوقف، قبل أن يقرر ولد هميد رفقة عدد من أنصاره تأسيس حزب الوئام الديمقراطي الاجتماعي.

يحتفظ الوئام بالنصف الأخير من اسم الحزب الجمهوري وربما بقريب من لونه المفضل كما يحتفظ بعدد من قادته ووزراء آخرملهميه معاوية ولد الطايع الذين لم يجربوا المعارضة كثيرا ولم يرحب بهم ولد عبد العزيز أيضا.

ومع حزب الوئام بدأ ولد هميد دخول الساحة بقوة حيث احشتد حوله عدد من أصدقائه السابقين، وسعى لتمرير خطاب سياسي مناوئ لولد عبد العزيز ومناوئ لمنسقية المعارضة حيث أخذ العصا من الوسط فى انتظار قادم الحظ بين الطرفين

لاحقا استطاع ولد هميد تكوين حلف أساسي يضم إلى جانبه رئيس الجمعية الوطنية مسعود ولد بلخير وحزب الصواب ويتشكل حلف جديد تحت اسم أحزاب المعاهدة.

قطعت أحزاب المعاهدة شوطا باتجاه السلطة، وأشواطا أخرى بعيدة من منسقية المعارضة حيث ظلت فى تلك المرحلة كمن يستعد للقفز بين مستنقعات ابدن عندما يفيض المحيط إلا أن جرت بما تشتهيه سفن بعضها وجاءت للسلطة فبقيت اسما لا وفاق على مكانه خاصة من حزب الصواب .

مسيْن ملكة القلب

تحتل كرمسين جزء أساسيا من تفكير ولد الزعيم بيجل ولد هميد لا تنافسها فى ذلك سوي بلدية ” انجاغو” التي يتربع الرئيس بيجل على بلديتها , فالأرض السمراء  التي نيطت بها عليه التمائم، وفيها سبح وغاص في أدغال النهر لا تزال بالغة التأثير في مواقف الرجل وقراراته، ولا يزال ولد هميد يستعد منذ ست سنوات لاستعادة كرمسين من خصمه المناوئ محمد ولد ابيليل.

عاد ولد ابيليل من الحزب الجمهوري ليلتحق بحزب التكتل الذي استقبل حينها عددا هائلا من “فلول ” ولد الطايع، وترشح في كرمسين حيث استطاع رفقة أنصار ائتلاف قوى التغيير من تسديد هزيمة ساحقة لولد هميد قبل أن يغادر الحزب المعارض وينافس غريمه من داخل الأغلبية وحزبها القوي والذي قال ولد هميد إنه إذا سينسق مع الأغلبية فلن يكون إلا مع حزبها الأكبر .

ظل ولد هميد يرفض حضور جلسات الجمعية الوطنية لأنه لا يريد رؤية غريمه متربعا على عيائها وهو يرقب المشهد من بعيد يتحكم الرئيس فى إسكاته ونطقه وحتى فى جلوسه وطرده فاقتصر على حضور تنصيب الرئيس ومرات نادرة افتتاح دورات عادية أو طارئة .

في كرمسين أيضا تتمدد مئات القطعان من البقر مملوكة لولد هميد تغدو إلى النهر كل يوم ثم تتفرق رائحة إلى مسارح عديدة متوزعة توزع العطش والفقر بين ساكنة تلك المنطقة.

ويؤمن ولد هميد بما يعتبره حقوق السكان الأصليين في حماية أرضهم واستغلالها، ولذلك يقاوم بشدة ما يعتبره هجوما وسيطرة من بعض رجال الأعمال القادمين مما وراء الجبال ليستولوا على مياه كرمسين ويضروا بالسكان المحليين، ولمواجهة قضية رجال الأعمال في منطقة “لمصيدي” التقى ولد هميد بولد عبد العزيز أكثر من مرة

وفي كرمسين أيضا يولي ولد هميد دورا كثيرا للقبيلة، حيث يسعى دائما لأن يكون زعيما قبليا  مؤثرا، حيث يهتم كثيرا بمصالح عشيرته، وخصوصا في أزمات الجفاف عندما تمتد يد الجفاف إلى قرون البقر.

رجل القبيلة

كما يمتاز الرجل بمستوى من الكرم، جعله يمنح أراضي هائلة في مقاطعة تفرغ زينة لصالح عدد كبير من مقربيه الاجتماعيين، فقد كان ” أرض تفرغ زينة” مجرد ” فرحة ” يقدمها وزير المالية ولد هميد لمن يزوره من العشيرة معترفا له بالزعامة.

لكن ولد هميد أيضا قوي الانتقام كما يقول العارفون به حيث سبق أن أقال أحد مقربيه بعد أن سعى له في التعيين لكن هذا الأخير شب عن الطوق قبل أن ترميه الأقدار تابعا لوزير المالية بيجل ولد هميد ليوقع أول قرارته بإقالته، قبل أن يعود طائعا معتذرا.

 

الوئام ,, يفاوض ويفوّض

آخر من يمكن أن يجادل في أن حزب الوئام لم يعد حزبا معارضا هو رئيسه بيجل، فكل الشواهد تدل على أن الحزب ” لا يأكل من الأغلبية، لكنه يشرب ماءها، فقد ارتفعت لافتات الحزب في استقبال كرمسين سعيا لإقناع ولد عبد العزيز بأن كرمسين عادت إلى الحضن الهميدي.

وكان حزب الوئام قد وقع اتفاقا سياسيا خاصا مع حزب الاتحاد من أجل الجمهورية يقتضي باقتسام المشهد الانتخابي وكذا المشاركة في الحكومة، وهو ما يعني تأمين ما بعد نتائج ” مبادرة مسعود ولد بلخير التي ” تمثل جزء من  الرؤية السياسية المعلنة لولد هميد.

المعارض المرافق

فى آخر تجليات المشهد السياسي لحزب الوئام ظهر الزعيم بيجل مرات عدة مرافقا للرئيس محمد ولد عبد العزيز فى جولاته داخل الوطن وفى طائرته الخاصة حيث حل معه مرتين فى مدينة النعمة إحداها فى أوج الأزمات بينه الرئيس والمعارضة

كما اتهم الرجل زملاءه فى المعارضة ضمنيا بالمعارضة غير المسؤولة رغم نفيه لذلك وقوله دائما أنا أعرف نفسي فقط

كانت آخر مواقف الرجل المعارض هي توكيله الرئيس محمد ولد عبد العزيز فى أخذ الموقف من التصويت فى الاستفتاء على الدستورلسنة 2017 سواء عن طريق البرلمان أو الشعب  رغم معارضة صنوه مسعود ولد بالخير الشديدة للتصويت البرلماني .

ويمكن الجزم إن ولد هميد من أكثر السياسيين الموريتانيين قدرة على انتهاز الفرص وفرض رؤيته السياسية فى الوقت المناسب والأقدر على النقاش الهادئ والتخفي خلف عبارات فضفاضة لا تسيء لأحد ولا تصرح بما تريد رغم ما اتُّهم به الرجل من تصريح حول إحدى جهات الوطن وتأكيده على (هروب ) رئيس حزب تواصل والصحفي أحمدو الوديعة من أمامه فى إحدي الاحتكاكات مع الشرطة بالعاصمة نواكشوط .

يواصل الرجل الجسور وضع لمسات تصنع طرائق قددا فى السياسة حيث ابتكر بعضها فى العلاقة بين المعارضة والنظام , كما حافظ على صورة واضحة لم تتلطخ جماهيريا بملفات فساد مثل أقرانه فى الحقبة الطائعية كما يحافظ على التربع على عرش الزعيم العشائري والتدثر بلباس المناضل التحرري والمعارض القوي والموالي المرافق وهي أمور يجمعها بذكاء وتبرير قد لا يكون مقنعا ولا واضحا لكنه يظل جريئا ومؤسسا

تعوّد الرجل القوي سياسيا منذ سنوات طويلة على أن يكون محورا أساسيا في كل قطاع سياسي ينتمي إليه، وفي سبيل ذلك يتسامى الرجل الآن بكل قامته السياسية لكي يجد مكانا مناسبا في المشهد السياسي وليطل على الجميع من أجل تثبيت رؤيته السياسية التي تدور وتدور ثم تدور بين كرمسين وانجاغو والجمعيةالوطنية لتصل إلى القصر الرئاسي

شاهد أيضاً

ولد إزيد بيه..متتاليات الولاء وفرضيات الأزمات

ثلاثاء, 22/03/2016 – 00:58 ولد إزيد بيه مع الرئيس في جامعة نواكشوط لا يبتعد عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *